خالد وليد محمود
مما لا شك فيه أن الحديث عن مفاوضات تقود الى اتفاق على الاطار النهائي للدولة الفلسطينية القابلة للحياة بات ضرباً من الوهم وتضييع الوقت.
واذا كان ثمة من يختلف معي عندما أقول بأن الحديث عن عملية السلام أصبح وهماً وأن إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة أصبحت أبعد ما تكون؛ فإنني أدلل على ذلك بمعطيات بسيطة. أولاً: الممارسات العسكرية والاستيطانية الإسرائيلية منذ ستة عقود بدّلت الجغرافيا السياسية بصورة جذرية، هذه المستوطنات تحتل مساحة 42 في المئة من الضفة الغربية، وأن المساحة المتبقّية عبارة عن مناطق عسكرية مقفلة ومحميّات طبيعية وطرقات مخصّصة للإسرائيليين فقط. ثانياً: هناك جدار فصل عنصري يتلوى كالثعبان في أراضي الضفة، أكل الأخضر واليايس كما أن المساحة المخصّصة للفلسطينيين مزروعة بمئات الحواجز.
ثالثاً: الموقف الأمريكي من عملية السلام بات واضحاً، إذ تخلت ادارة أوباما عن وعودها التي قطعتها على نفسها لذا بات الكلام على "حلّ الدولتين" ، مجرّد فرضية تجاوزتها الأحداث، وهو مناورة مكشوفة لتحييد الصف العربي في أي مواجهة أميركية أو إسرائيلية محتملة مع إيران أو حزب الله.
نعم، لقد وقعت عملية السلام ضحية لعجز الأطراف عن سد الفجوة بين ما كان ممكناً من الناحية السياسية في نظرهم، وما كان مطلوباً للتوصل إلى التسوية. ويبدو أن المفاوضين المحصورين بين الممكن والضروري تعلموا ببساطة أن يعيشوا من دون التوصل إلى حل.
ويبدو الأمر كأن الفلسفة السياسية الوجودية القديمة التي تبناها موشي ديان ذات يوم عادت إلى الحياة من جديد. ففي تشرين الثاني/ نوفمبر 1970، حين سُئِل عن رؤيته لاتفاقية سلام محتملة مع الفلسطينيين، فإن رد ديان آنذاك يصدق عليه أغلب وزراء حكومة بنيامين نتنياهو الآن. قال:"إن مفاوضات السلام الوحيدة هي تلك التي نعمل بموجبها على استيطان الأرض والتوسع في الاستيطان، ومن حين إلى آخر نذهب إلى الحرب".
وفي ظل خطط السلام والمبعوثين السياسيين الذاهبين والعائدين، أصبح الإسرائيليون والفلسطينيون على السواء في حالة من اللامبالاة بفرص التوصل إلى تسوية نهائية. والآن يفقد حل الدولتين جاذبيته بسرعة.
وإذا كان حل الدولتين يعبر عن المستقبل حقاً، فهذا يعني أن زلزالاً اجتماعياً وسياسياً ذا أبعاد لا توصف ينتظر الإسرائيليين: عمليات إجلاء هائلة للمستوطنين، وجهود بالغة المشقة والصعوبة لإعادة تنظيم الصفوف السياسية في مواجهة التهديد باندلاع حرب أهلية بل وربما عصيان عسكري. وكل هذا من أجل العودة إلى حدود 1967، التي يشعر قِلة من الإسرائيليين بالحنين إليها.
أما بالنسبة للفلسطينيين، فإن الفجوة القائمة بين مأساة النكبة وبين الحل الإقليمي الهزيل الذي يجعل دولتهم الصغيرة المنزوعة السلاح بمنزلة جرح مفتوح.
خلاصة الكلام، إنه وبعد انقضاء عشرين عاماً على انعقاد مؤتمر مدريد للسلام، وعشرة أعوام على فشل الجهود البطولية التي بذلها الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون في "كامب ديفيد" سعياً للتوصل إلى تسوية بين الإسرائيليين والفلسطينيين، لا يملك المرء إلا أن يستسلم لاستنتاج مفاده أن عملية السلام الإسرائيلية- الفلسطينية أصبحت واحدة من أعظم عمليات الخداع إثارة وإدهاشاً في تاريخ الدبلوماسية الحديثة والمعاصرة.
المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية وتلك المباشرة أو غير المباشرة التي يجري الحديث عنها الآن ، لها هدفان لا ثالث لهما، أولاً: انتزاع أكبر قدر ممكن من التنازلات من الفلسطينيين، وثانيا: إتاحة أطول فسحة ممكنة لتغيير الخرائط الجغرافية على الأرض وإنجاز تهويد القدس، بما ينسف عملياً أي أمل في إقامة الدولة الفلسطينية التي يتشدق بها الجميع.
وهذا الذي نقوله ليس اكتشافاً وليس فيه سر، ولكنه الحقيقة التي لم يعد أحد من المنصفين يختلف عليها، بل إن بعض رجال السلطة أنفسهم باتوا يتحدثون صراحة عن عبثية المفاوضات وعقمها، واليأس من جدواها، ولأبو مازن تصريح أدلى به أمام اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير في 9/3 الماضي، حين أثير موضوع المفاوضات غير المباشرة، قال فيه إنه لا يتوقع شيئا من تلك المفاوضات،ويبدو ان المفاوض الفلسطيني راض أو مرغم على المفاوضات المباشرة، لأنه لم يكن لديه خيار آخر يستطيع أن يراهن عليه.
وطالما انطلق هذا المفاوض من هذا الموقف، فقد كان عليه أن يدفع ثمن الوهن الذي ارتضاه والإفلاس الذي أشهره. وحتى إشعار آخر، هذا المفاوض لا يملك سوى أن يدير خده الأيسر كلما تلقى صفعة على الخد الأيمن، سواء كانت مباشرة أو غير مباشرة!
المصدر: صحيفة فلسطين
تعليقات القراء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي فلسطين أون لاين وإنما تعبر عن رأي أصحابها
(0) تعليق تعليقك على الموضوع
الاسم
البلد
التعليق





