هكذا انتصر مصابون بأمراض نفسية على ذواتهم

غزة/ هدى الدلو:

تحوّل وليد سريعًا في إحدى مراحل حياته، من إنسان طبيعي يعمل في مصنع للحجارة إلى مريض نفسي ومدمن لعقار "ترامادول" الذي يعرف بأنه من الحبوب المخدرة و"المهلوسة"، بعدما انجر وراء زميله، لكنه أخيرًا لم يسمح بأن تكون هذه نهاية المطاف به.

"وليد" هو اسم مستعار لشاب (30 عامًا)، فضّل عدم كشف هويته، كان قد انجر وراءزميله الذي خدعه وأوهمه بأن هذه الحبوب "ستساعده" في التغلب على تعب ساعات العمل الطويلة، وقدم له نصف حبة "كجرعة أولى".

ومع تكرار تناول العقار دخل وليد في دوامة الإدمان دون أن يشعر، وأصبح نصف الحبة لا تفي بالغرض، فزاد الجرعة ليصير أسيرًا لهذه الحبوب.

وبات وليد يعاني هذا الفعل الذي أنهكه نفسيا وماليا وجسديا، لا سيما أنه واجه صعوبات في الحصول على هذه الحبوب لكونها تخضع لرقابة من جهات الاختصاص.

ومع مرور الأيام تدهور أداء وليد في العمل، ولم تعد تفارقه مشاعر العصبية والتوتر وآلام في العضلات والمفاصل، واضطراب في النوم، وارتفاع في ضغط الدم، وسرعة في نبضات القلب، وأصبحت علاقته مع أسرته مشبعة بالمشاكل التي كادت أن تؤدي للانفصال وتفكيك الأسرة.

ولحسن حظه وبفضل دعم زوجته وأسرته قرر اللجوء لدكتور مختص في الصحة النفسية.

"في البداية كانت لديّ رغبة في التعافي وإرادة قوية، خاصة أني شعرت بتأثيره على حياتي الاجتماعية وعلاقتي بزوجتي وأبنائي، إلى جانب تأثيره على الوضع المالي"، يقول وليد، مبينا أنه قاوم الأعراض الانسحابية.

ويضيف لصحيفة "فلسطين"، أن اختفاء تلك الأعراض يحتاج من 10 أيام إلى أسبوعين، وللتخفيف منها يُعطى بعض الأدوية حتى لا يعود للتعاطي، ومن ثم يتم التدخل النفسي لمعرفة ما إذا كان سبب تناوله لها بسبب مشكلة نفسية من أجل العمل على معالجتها.

ويتابع: "العلاج النفسي والدعم الأسري والاجتماعي ساعدني في تجاوز هذه الأزمة بفضل الله عز وجل، وأعود من جديد لحياتي الطبيعية بعيدًا عن ذلك العقار اللعين الذي قلب حياتي رأسًا على عقب".

وسواس قهري

أما الشاب العشريني حامد وهو أيضًا اسم مستعار لشاب فضل عدم كشف اسمه، كان يعاني وسوسة تتعلق بالنظافة لدرجة الشك المتكرر بصحة وضوئه، وأحيانًا بعد مصافحته لأحد يعيد غسل يديه، إضافة إلى التراجع في دراسته الجامعية، والعلاقات الاجتماعية.

كان ذلك يستغرق منه وقتًا طويلًا، ويستنزف جهده العقلي، ورغم إدراكه لعدم منطقية هذه الأفكار إلا أنه لم يستطِع مقاومتها، وكان يلجأ لأساليب مختلفة للخلاص من هذه الوسوسة، ومن ضمنها اللجوء للمشعوذين، إلا أنها لم تجدِ معه نفعًا.

ويقول حامد لصحيفة "فلسطين": "من قرارة نفسي اتخذت قرار الاستعانة بطبيب نفسي بسبب حجم المعاناة، وترك لي حريتي في الحديث والتعبير عما يجول في خاطري من أفعال قهرية أقوم بفعلها تزيد من حدة الأعراض".

استطاع الطبيب المختص تقييمه وتشخيصه من خلال اختبارات نفسية ومقابلة، ليتم إجراء التدخل الدوائي والنفسي المناسب لحالته، ما انعكس إيجابًا على مستواه الأكاديمي والاجتماعي.

ومدة العلاج الدوائي للوسواس القهري تستغرق أكثر من سنة للتخفيف من حدة الأفكار، والعلاج النفسي 12 جلسة.

ويتابع حديثه: "تلقيت تدريبات في تعلم تمارين الاسترخاء، وتعديل الأفكار وكيف يمكن ممارستها من أجل التغلب على الأعراض".

"ليتني من البداية لجأت للطبيب النفسي، فقد تحسنت علاقاتي الاجتماعي، وتخلصت بنسبة 70% من الوسواس، تعلمت كيف أتعامل مع الضغوط النفسية، وأصبحت التدريبات التي تلقيتها جزءًا من روتيني اليومي، ونمط شخصيتي، أكلمت تعليمي بكل أريحية"؛ يواصل كلامه.

"أساليب غير علمية"

من جهته يوضح الطبيب النفسي د. خالد ميلاد أن الصحة النفسية هي حالة متكاملة من التوافق النفسي والجسدي والاجتماعي، إضافة إلى قدرة الشخص على إسعاد نفسه وقدرة الآخرين على الإنجاز والإنتاج وعلى التواصل الاجتماعي الفعال.

ويقول د. ميلاد لصحيفة "فلسطين": هناك العديد من الحالات التي يمنحها العلاج النفسي والدوائي بارقة أمل وتسهم بشكل كبير في استعادة التوازن لحياتهم، حتى مرض الفصام الذي يعانيه البعض يمكن السيطرة عليه من خلال العلاج الدوائي والدعم الأسري، ليتمكن من ممارسة حياته وعمله بشكل أقرب للطبيعي، وأداء دوره في الحياة كرب أسرة أو موظف أو غيره.

ويضيف: "الاضطراب النفسي ليس عيبًا أو وصمة عار، لأن أي شخص إذا توافرت الظروف والعوامل التي تؤدي الى حدوث الاضطراب قد يصاب به، ومحاولة البعض للجوء إلى أساليب غير علمية كالمشعوذين تؤدي إلى تدهور الحالة".

ويخلص د. ميلاد إلى أهمية نشر الوعي بالصحة النفسية وأساليب مواجهة الضغوطات، لافتًا إلى أن الثقافة النفسية عامل مهم في إرساء مفهوم الصحة النفسية للجميع، كركيزة أساسية في الوقاية من الاضطرابات النفسية.